كتبت:ايمان مطر
الاستثمار في المناطق عالية المخاطر لا يُعد مغامرة عشوائية أو سعياً
للإثارة فحسب، بل هو في كثير من الأحيان استراتيجية مدروسة بدقة تهدف إلى تحقيق
أرباح استثنائية. فالقاعدة الاقتصادية الذهبية تقول: كلما
زادت المخاطرة، زادت احتمالية العائد.
رجال أعمال مصريون يتحدّون الخطر
نجيب ساويرس: من العراق إلى الكونغو
عرف رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس كيف يتعامل مع المخاطر الجغرافية
والأمنية، فقد استثمر في دول تُعد من بين الأخطر على مستوى العالم مثل العراق،
الكونغو، والجزائر في ذروة الحرب الأهلية. كان ساويرس يقيّم الربح المتوقع قبل
الدخول في أي سوق، رافضًا الاستثمار في أفغانستان رغم محاولاته السابقة، نظراً
لتدني العائد المحتمل وغياب الشفافية في طرح تراخيص الاتصالات.
أحمد بهجت وأحمد هيكل: استثمارات أكثر حذراً في السودان
في المقابل، اختار كل من أحمد بهجت وأحمد هيكل السودان، ولكن في مناطق
أكثر استقراراً نسبيًا، خاصة الإقليم الشمالي، مبتعدين عن مناطق النزاع. أنشأ بهجت
مشروعًا عقاريًا فخمًا يستهدف الأثرياء السودانيين، بينما استثمر هيكل في الزراعة.
المخاطر السياسية ومؤشرات الاستثمار العالمي
رغم تعدد مؤشرات قياس مناخ الاستثمار، لا يوجد حتى الآن مؤشر عالمي
يصنّف الدول وفقاً للمخاطر السياسية. حتى مؤشر حماية المستثمرين التابع للبنك
الدولي يركّز على حماية حقوق المساهمين من تعسف الإدارة، دون احتساب العوامل
الأمنية والسياسية.
مؤسسة "ميجا": مظلة حماية للاستثمار في الدول النامية
أنشأ البنك الدولي مؤسسة ضمان الاستثمار متعدد الأطراف (ميجا) للتأمين
ضد المخاطر السياسية، وقد قدمت حتى منتصف 2023 ضمانات بقيمة 4.1 مليار دولار لـ26
مشروعاً في الدول النامية، معظمها في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
![]() |
| الجزائر والحرب الاهلية من 1992-2002 |
التجربة الجزائرية: جيزي وسط الحرب
رغم الحرب الأهلية التي استمرت في الجزائر من 1992 حتى 2002، استثمر
نجيب ساويرس في قطاع الاتصالات، وأنشأ شركة "جيزي" عام 2001 لتكون أول
مشروع أجنبي خارج قطاع البترول. بلغ عدد العملاء 15 مليوناً، ووصل حجم الاستثمار
إلى 4 مليارات دولار.
تعرضت الشركة لهجمات عنيفة بعد مباراة مصر والجزائر عام 2009، لكن
ساويرس رفض بيع "جيزي" نظراً لربحيتها العالية.
العراق: استثمار محفوف بالمخاطر الأمنية
في العراق، دخل ساويرس السوق بعد الغزو الأمريكي عام 2003، مستغلاً
انهيار البنية التحتية وغياب المنافسين. ورغم أعمال العنف والسرقة التي طالت
معداته، استمر في السوق حتى 2007، قبل أن يقرر الانسحاب بعد خسائر أمنية واقتصادية
متزايدة، معتبراً أن ضخ 1.25 مليار دولار إضافية لم يعد مجدياً.
السودان: مدينة أحلام وأراضٍ زراعية
مدينة الأحلام
استفاد أحمد بهجت من الفرص العقارية في السودان لإنشاء مشروع
"مدينة الأحلام"، مستهدفاً الطبقة الثرية في بيئة استثمارية أكثر
استقراراً.
الاستثمار الزراعي
أما أحمد هيكل، فاتجه إلى الزراعة، عبر شراء أراضٍ خصبة واستغلال
الإعفاءات المقدمة من الحكومة السودانية.
شركة النصر: من الذراع السياسية إلى التراجع التجاري
التاريخ والمهمات الاستخباراتية
شركة النصر للتصدير والاستيراد بدأت كذراع اقتصادية وسياسية لمصر في
أفريقيا، وشاركت في مهمات استخباراتية مثل عملية الحفار الشهيرة.
التحول إلى الوساطة التجارية
اليوم، أصبحت الشركة تلعب دور الوسيط التجاري، حيث انخفض عدد فروعها
من 33 إلى 18، معظمها في أفريقيا. وتتحاشى الشركة تخزين بضائع غير زراعية تفادياً
للسرقات، وتلجأ إلى الانكماش خلال الحروب.
إغلاقات بسبب الصراعات السياسية
أُغلقت مكاتب الشركة في دول مثل تشاد، بوركينا فاسو، سيراليون،
نيجيريا، وحتى السودان بعد توتر سياسي عام 1996، حين سُجن موظفوها هناك باتهامات
كيدية.
مواقف متحفّظة: رجال أعمال يرفضون المخاطرة
رأس المال "الجبان"
بعض رجال الأعمال يفضلون الاستثمار في بيئات مستقرة مثل الولايات
المتحدة أو الصين. محمد فريد خميس ومحمد داود مثالان على هذا التوجه، بينما محمد
جنيدي يضع شروطاً صارمة لضمان التعاملات المالية حتى لا يتعرض للاحتيال.
رأي الخبراء: المخاطرة سلوك ثقافي
د. فخري الفقي: الربح يتناسب مع درجة المخاطرة
يشير د. فخري الفقي إلى أن ثقافة المستثمر تلعب دوراً حاسماً،
فساويرس، بحكم تعليمه الغربي، يفضل "المخاطرة المحسوبة"، في حين يلتزم
مستثمرون آخرون بأساليب أكثر تحفظاً.
ويؤكد أن هناك دولاً مثل السودان توفر عائداً مرتفعاً، لكن يتوجب على
المستثمر أن يحصل على نسبة ربح تُعادل أو تفوق 50٪ لتعويض المخاطر، مقارنةً بـ20٪
في بيئة مستقرة مثل مصر.
#مصر
#الجزائر


.jpg)
