البحث عن الله فى الأرض المقدسة!لم أستطع النوم عندما أخبرنى أحمد (دليلى فى سانت كاترين)
أننا سنصعد جبل موسى فى الصباح.. وانتابتنى نفس المشاعر التى أحسستها وأنا فى طريقى
إلى بيت الله الحرام.. هل سأكون على قدر جلال المكان وهيبته؟ وهل روحى مستعدة لاستشعار
تلك القداسة المستمدة من التجلى الربانى فى المكان المقدس؟ كثيرا ما أثارت قصة
سيدنا موسى الكثير من التساؤلات بداخلى.. فهو النبى الوحيد الذى اختصه الله بقوة بدنية
هائلة وعندما استخدمها فى غير موضعها وقتل نفسًا بشرية بغير حق عاتبه الله وأذاقه مرارة
الخوف والمطٌاردة والنفى عن البلاد التى ولد وتربى فيها. يقشعر الجسد عند وصف «القدير» لقاءه بموسى وحديثه معه والأجواء
التى أحاط الله بها هذا اللقاء من ظلمة الليل والشتاء القارس والسير وسط الجبال الموحشة
والشعور بالضياع وفقدان الطريق وتلمس النجاة فى ضوء يأتى من بعيد يمنحه الأمل فى بعض
الدفء.. هى ظروف مهيبة تؤهل الروح لتلقى الوحى الأكبر وتأتى اللحظة الأصعب ويسمع موسى
اسمه يتردد بين جنبات الوادى. تلطف الإله الكريم بعبدٍه فعرًفه بنفسٍه وبالمكان المقدس المتواجد فيه وأهله نفسيًا لتلقى الرسالة وإبلاغه بمهمته التى اصطفاه من أجلها. أفقت على ترتيل مجموعة من الهنود لصلواتهم بجانبى ومرشدهم
يقص عليهم قصة الشجرة المقدسة التى مازلت أقف أمامها بخشوع.. أشعلت شمعة داخل الكنيسة
الأثرية متمنية الشفاء لكل مريض وانتهيت من جولتى داخل الدير لأبدأ رحلة الصعود المرتقبة. (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) سورة الاعراف (143) هنا تجلى الرحمن على خلقه من الجماد والبشر فلم يستطيعا الصمود أمام طبيعته الإلهية فدُك الجبل وخر موسى مغشيًا عليه من هول مارأى.. حاول موسى إدراك الذات الإلهية بحواسه البشرية المحدودة فلم يستطع، وهكذا ظل الجبل شاهدًا على النزق البشرى. لم يكن الطريق الحالى هو ماصعده النبى وإنما أنشأه الخديو عباس حلمى الثانى عندما نصحه الأطباء بهواء الجبال لاسترداد صحته المعتلة (1905).. الطريق يلتف حول الجبل بطول 7 كيلو مترات بالإضافة إلى 750 سلمة الأخيرة وهى ليست سلالم بالمعنى المتعارف عليه وإنما صخور تم تمهيدها على قدر المستطاع وغير مستوية السطح والطول والعرض وتقود المرء إلى قمة الجبل وتنتهى رحلة الجمال عند بداية السلالم ليصعدها المرء على قدميه. الاستراحات البدوية منتشرة على طول الطريق وبها أماكن للجلوس واحتساء المشروبات الساخنة والباردة وجميع العاملين بها من قبيلة «الجبالية». كنت أتلفت خلفى أثناء صعودى لأرى الأرض من أعلى وبدأت قدماى تؤلمنى من الحصى والزلط وقلبى ينبئنى بخفقاته الشديدة التى لم يفلح معها الاستراحة كل نصف كيلو متر بأننى لن أستطيع مواصلة الصعود حتى بدأت أندم لعدم امتطائى الجمل وألوم «أحمد» على نسيانه الإتيان بعصا يتم استئجارها فى الوادى للمساعدة فى الصعود وأطالبه بالبحث عن أى شيء أستطيع الاستناد عليه. وتوقفنا فى إحدى الاستراحات لنصلى الظهر وأستعد للهبوط قبل بلوغ منتصف المسافة.. كانت الاستراحة خالية حتى من البدوى المسئول عنها وقبل أن أبدأ الصلاة سمعت صرخة «أحمد» بأنه وجد «عصا» يبدو أن أحدهم نسيها فى رحلة الهبوط من الجبل.. هنا سجدت لله شكرا (لتكن مشيئتك) سوف أستكمل رحلة الصعود.. كانت مناجاتى له فى كل خطوة إلى قمة الجبل باسم من أسمائه الحسنى.. تلاشت الأرض فلم أعد أرى بشرًا أو طريقا وتضاءلت الجبال وخاصة جبل التجلى. أخيرًا بلغت قمة الجبل بعد ثلاث ساعات ونصف فى الصعود.. لم تترك الكنيسة والمسجد الصغيران المنشآن على القمة مكانا للكثيرين للجلوس والاستمتاع الروحى بالمكان المبارك. وأشار أحمد إلى مغارة فى قمة الجبل عبارة عن تجويف يسع شخصًا بالكاد شارحًا بأنه المكان الذى كان موسى يستريح فيه خلال الأربعين يومًا التى قضاها لتلقى الألواح والتعاليم من الإله الواحد. جلست على قمة الجبل مُسندة ظهرى إلى حائط الكنيسة ناظرة إلى
السماء.. انتابتنى السكينة والراحة .. هل أنا حقا فى المكان الوحيد الذى شهد حديث
«الله» مع أحد خلقه وشهد تجليه عز وجل.. تلمست المكان الذى جلست فيه وتمنيت تسلق باقى
الجبال وتلمسها فقد شهدت مالم ولن نشهده إلا بعفوه ورضاه وهو رؤيته سبحانه وتعالى.
نشر بمجلة روزاليوسف فى 2 فبراير 2018 |
البحث عن الله فى الأرض المقدسة!
تعليقات
